الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
283
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والميقات : هنا لمعنى الوقت والأجل ، وأصله اسم آلة للوقت وتوسعوا فيه فأطلقوه على الوقت نفسه بحيث تعتبر الميم والألف غير دالّتين على معنى ، وتوسعوا فيه توسعا آخر فأطلقوه على مكان لعمل ما . ولعل ذلك متفرع على اعتبار ما في التوقيف من التحديد والضبط ، ومنه مواقيت الحج ، وهي أماكن يحرم الحاج بالحج عندها لا يتجاوزها حلالا . ومنه قول ابن عباس : « لم يوقت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الخمر حدّا معيّنا » . ويصح حمله في هذه الآية على معنى المكان . وقد ضمن لَمَجْمُوعُونَ معنى مسوقون ، فتعلق به مجروره بحرف إِلى للانتهاء ، وإلا فإن ظاهر مجموعون أن يعدّى بحرف ( في ) . وأفاد تعليق مجروره به بواسطة ( إلى ) أنه مسير إليه حتى ينتهي إليه ، فدل على مكان . وهذا من الإيجاز . وإضافة مِيقاتِ إلى يَوْمٍ مَعْلُومٍ لأن التجمع واقع في ذلك اليوم . وإذ كان التجمع الواقع في اليوم واقعا في ذلك الميقات كانت بين الميقات واليوم ملابسة صححت إضافة الميقات إليه لأدنى ملابسة وهذا أدقّ من جعل الإضافة بيانية . وهذا تعريض بالوعيد بما يلقونه في ذلك اليوم الذي جحدوه . [ 51 - 55 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 51 إلى 55 ] ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ( 51 ) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ( 52 ) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 53 ) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ( 54 ) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ( 55 ) هذا من جملة ما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يقوله لهم . و ثُمَّ للترتيب الرتبي فإن في التصريح بتفصيل جزائهم في ذلك اليوم ما هو أعظم وقعا في النفوس من التعريض الإجمالي بالوعيد الذي استفيد من قوله : إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ [ الواقعة : 49 ، 50 ] . وهذا التراخي الرتبي مثل الذي في قوله تعالى : قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ [ التغابن : 7 ] بمنزلة الاعتراض بين جملة إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ [ الواقعة : 49 ] وجملة : خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ [ الواقعة : 57 ] . والخطاب موجه للمقول إليهم ما أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأن يقوله لهم فليس في هذا الخطاب التفات كما قد يتوهم ، وفي ندائهم بهذين الوصفين إيماء إلى أنهما سبب ما